عبد الشافى محمد عبد اللطيف
260
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أخرى ، ثم حدثت الفتنة بين المسلمين في الشطر الثاني من خلافة عثمان ( 30 - 35 ه ) واستمرت طوال خلافة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ( 35 - 40 ه ) فألقت بظلالها القاتمة على حركة الفتوحات ، وكان قصارى جهد عليّ رضي اللّه عنه أن يحافظ على الفتوحات التي تمت وقد نجح في ذلك - رغم الظروف الصعبة التي كان يكابدها داخليّا - ولم يترك المسلمون شبرا من الأرض التي فتحوها . * سياسة معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما تجاه البلاد المفتوحة : بعد اغتيال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه على يد شقي من أشقياء الخوارج - هو عبد الرحمن بن ملجم - في رمضان سنة ( 40 ه ) ، وصلح الحسن بن علي مع معاوية استتب الأمر للأخير وأصبح خليفة للمسلمين بما يشبه الإجماع سنة ( 41 ه ) وهو العام الذي سماه المسلمون عام الجماعة ، وقد استبشروا خيرا بخلافة معاوية وبانتهاء فترة الفتن والحروب الأهلية ، وكان معاوية يتمتع بصفات كثيرة من صفات رجال الدولة الكبار من الحلم وبعد النظر والدهاء والكرم وسعة الأفق ، وقد التف المسلمون حوله وطالت خلافته ( 41 - 60 ه ) وكان ينتظر منه أن يستأنف حركة الفتوحات الإسلامية ولكنه لم يفعل ، أو بمعنى أصح لم يشهد عهده فتوحات على نطاق واسع ، وانتهج سياسة أخرى دلت الأيام وحوادث التاريخ على أنها كانت سياسة حكيمة ، كانت تلك السياسة تقوم على تثبيت الفتوحات الإسلامية ، وتهيئة البلاد المفتوحة لقبول الإسلام عقيدة وشريعة فقد أدرك معاوية يثاقب نظره أن البلاد التي فتحت في عهد الخلفاء الراشدين قد فتحت بسرعة فائقة ، وأن الشعوب لم تتعرف على الإسلام بعد ، ومن حقها أن تأخذ فرصتها للتعرف عليه ، ومن واجب المسلمين أن يقوموا بمهمة تعريف هذه الشعوب بالإسلام ، وشرح تعاليمه ومبادئه وأهدافه ، وأن المسلمين ليسوا مستعمرين كالفرس والروم ، وإنما جاؤوا ومعهم رسالة توحيد خالصة ، تفيض عدلا ورحمة وبرّا بالناس ، وقد نهض معاوية رضي اللّه عنه بهذه المهمة الجليلة وقام بها خير قام ، وتدعيما لهذه السياسة وتحقيقا لأهدافها فقد أصدر تعليماته للولاة بتهجير الأسر العربية وإسكانها في البلاد المفتوحة - خاصة بلاد فارس - حتى يكون اختلاط العرب المسلمين أصحاب الرسالة وأكثر الناس فهما لها ومسؤولية عن نشرها سبيلا إلى ازدياد معرفة الفرس بالإسلام فنقل زياد بن أبي سفيان - والي العراق ( 45 - 53 ه ) - خمسين ألف أسرة عربية بعيالهم من